ورقة بعنوان الفيتوري.. راهب أفريقيا ودرويش العروبة!

2016-04-19T15:44:44+00:00 April 16th, 2016|وثائق|

إبداعه جسد التواصل بين الثقافتين العربية والأفريقية
الفيتوري.. راهب أفريقيا ودرويش العروبة!

لو فتشنا في الثقافتين العربية والأفريقية عن رمز لتلاحمها وتمازجهما وتزاوجهما، لن نجد منافسًا للشاعر السوداني الراحل محمد الفيتوري، الذي نجح باقتدار في تجسيد هذا التناغم والتمازج بقلب أفريقي مفتوح وعقل عربي مستنير، فنذر شعره وإبداعه طوال حياته للدفاع عن استقلال أفريقيا، ومناهضة العنصرية ووقف استغلال الرجل الأبيض للأسود، إلى جانب دعمه للكفاح الفلسطيني ضد المحتل الإسرائيلي الغاصب وتحرير الأقصى.
في منتصف التسعينات قابلت الفيتوري صدفة في منزل الناقد الكبير رجاء النقاش.. في تلك الليلة كانت حالتهالنفسية والمزاجية أكثر من رائعة، وبعد سهرة ثقافية مميزة حضرها العديد من قمم الفكر والثقافة في مصر والعالم العربي، وقبل أن يغادر البيت طلب مني زيارته بمكتبه في السفارة الليبية بالقاهرة، وبالفعل تم اللقاء الذي امتد لنهاية اليوم.
اتفقنا خلال لقاء السفارة على أن أجري معه حوارًا صحفيًا، للنشر في مجلة الأهرام العربي، وطلب مني إرسال الأسئلة المقترحة، لكنه اشترط وضع الحوار على غلاف المجلة.. هنا طلبت مهلة للرد بشأن هذا الطلب ورجعت إلي بلدياتي الأستاذ أسامة سرايا رئيس تحرير المجلة في ذلك الوقت، ونقلت له طلب الفيتوري، فوافق بلا تردد.. اجتهدت في وضع الأسئلة على الرغم من أني في ذلك الوقت لم أكن محررًا ثقافيًا وتاريخ معرفتي بالفيتوري يتوقف عند كونه واحدًا من أبرز دعاة تحرر أفريقيا، كما كنا ندرس بعض قصائد من ديوانه الشهير «أغاني أفريقيا» في المرحلة الإعدادية، ترقبت ردود فعله على أسئلتي، وكانت المفاجأة أنها أعجبته ليس لعبقريتي، بل لأنها كانت مختلفة وجديدة عن تلك الأسئلة المكررة التي يعتاد محررو الأقسام الثقافية توجيهها للشعراء الكبار.
لم أتسلم منه الإجابة سوى بعد أكثر من أسبوعين، وفي كل مرة أهاتفه، فيقول:«مر عليّ في المكتب أنا في انتظارك»، ثم يغلق الهاتف قبل أن يعطيني فرصة للتفكير.. بالفعل كنت أمر عليه، ثم نتناقش في كل القضايا، وأستمع إلى آرائه في مختلف الموضوعات وفي الكثير من الأشخاص.. ثم في منتصف اليوم يطلب الجراج ليخرج له سيارته المرسيدس الفارهة، ثم يصر على توصيلي بنفسه إلىمقر عملي في مجلة روز اليوسف في شارع القصر العيني بوسط القاهرة.
بعد مرور وقت طويل أعطاني مجموعة أوراق مكتوبة بخطه المميز، تتضمن ردوده على أسئلتي.. بعد نشر الحوار تعمقت علاقاتنا، وأصبحنا نلتقي بصفة مستمرة.. ومن خلاله تعرفت على الكثير من الشخصيات الليبية السياسية والثقافية حيث كانت تربطه علاقة خاصة مع سيد قذاف الدم ابن عم الزعيم الليبي معمر القذافي، ثم يعود له الفضل بأن عرفني على أهم صحفي في ليبيا في ذلك الوقت هو الأستاذ والصديق بشير زعبية حيث تعمقت صداقتنا واستمرت حتى الآن.
في أحد اللقاءات سألني الفيتوري بصورة مفاجئة.. هل سافرت إلى السودان من قبل؟ فأجبت بالنفي.. فغضب وظل يردد النقد لتوجهات الصحافة المصرية بأنها تلهث وراء الخليج الذي لا يشكل لها أهمية تذكر مقارنة بأهمية السودان الذي تشق أرضه مياه نهر النيل الذي يمثل الحياة بالنسبة للمصريين.. هدأت من روعه وقلت له أنا مستعد للسفر في أي وقت.. في اليوم التالي اتصل بي قائلاً سوف أصطحبك للتعرف على شخص مهم في المساء.. وفوجئت أنني في منزل السفير السوداني بالقاهرة في ذلك الوقت الدكتور أحمد عبدالحليم بحي المعادي الراقي.. هناك قضينا سهرة سودانية خالصة بدءًا بالموسيقى وانتهاء بأنواع الطعام..
وكان للفيتوري الفضل في أنني تعرفت على السودان وتوثقت علاقاتي بالكثير من أبنائها ومسؤوليها، وترددت كثيرًا في زيارتها، بل كان لي الشرف للعمل فيها عندما وقع الاختيار على شخصي الضعيف لتأسيس موقع صحفي لفضائية الشروق العام 2009 فأتيحت لي الفرص كاملة للتعرف ليس فقط على نمط الحياة السودانية بل على تفاصيل مهمة تتعلق بالتركيبة السكانية والقبلية للسودان الشقيق.
كان السودان بمثابة البوابة الواسعة التي دخلت منها إلىعالم أفريقيا المدهش، وبالفعل أخذت بنصيحة الفيتوري ولم تتوقف علاقاتي عند السودان، لكن تجاوزتها إلى الصومال وكينيا، موزمبيق وجنوب أفريقيا وأوغندا، وغيرها من دول القارة السمراء.
ومع الأيام كان الفيتوري فخورًا بما شجعني عليه، ولم يترك أي مناسبة إلا ويحكي للأصدقاء المشتركين حكاية تشجيعه لي لزيارة السودان والاهتمام بما يجري داخله، وهو ما كنت دائمًا أشكره عليه وأعتبره إلى الآن أهم جميل يمكن أن يقدمه شاعر بقامة الفيتوري لشاب كان يخطو خطواته الأولى في عالم الصحافة والسياسة..
اقترابي ومرافقتي له الدائمة أثناء وجوده في القاهرة، عمقت علاقاتنا حتى أنني كنت أشعر تجاهه بالأبوة، وكان يبادلني نفس المشاعر، ويقول دائمًا إن أول شخص يتذكره ويتصل به قبل وصوله إلى القاهرة كان العبدلله، وكنت أشعر بالفخر بما يردده أمام نجوم الثقافة والأدب حول علاقتنا، بالرغم من فارق السن والتجربة والخبرة والشهرة أيضًا.
لم يكتف صاحبنا بأن يدفعني للتعرف على العالم العربي، حيث فوجئت بأنه أحضر لي دعوة لزيارة العراق للمشاركة في مهرجان «المربد» وكان العراق يعاني من الحصار الدولي الظالم، وبالفعل عانينا كثيرًا في الوصول فقد سبقني إلى بغداد بعدة أيام، ونزل هو في فندق الرشيد الشهير، بينما نزلت فندق المنصور المتواضع مع باقي الوفد المصري، لكن مقابلاتنا لم تنته.
في بغداد لم تتوقف اتصالاتنا ولم يمنع وجود كل منا في فندق مختلف، وفي أحد الاتصالات طلب مني الحضور بسرعة إلى فندق الرشيد، وفي مقهى الفندق همس في أذني استعد غدًا لدينا لقاء هام جدًا مع شخصية سياسية هامة، بسذاجة سألته هل سنلتقي مع محمد سعيد الصحاف؟ فابتسم وقال لا هذا مسؤول (تافه).. فقلت له هل نلتقي صدام؟ .. هنا أصيب بالوجوم وكان النادل متجها ناحيتنا، فصرخ في وجهي قائلاً: رجاء لا تكرر ما ذكرته مرة أخرى.. وبعد أن أصبحنا بمفردنا قال: فعلاً ربما نلتقيه غدًا! وبالفعل في الموعد المحدد ذهبنا إلى بناية وسط بغداد وأنا أرتعد خوفًا، وقابلنا بعض الأشخاص وفحصوا متعلقاتنابدقة، ثم دخلنا قاعة وفوجئت بـعدي صدام حسين في انتظارنا.. كان لقاءًترحيبيًا بالفيتوري، واقتصرت مشاركاتيفي ذلك اللقاء على الرضا والمجاملات.
دأب الفيتوري على تقديمي للعديد من الشخصيات العربية المهمة التي كانت تزور القاهرة، وأذكر أنه مرة دعاني لزيارة وزير الإعلام السعودي السابق الدكتور عبدالعزيز خوجة، عندما كان يشغل وقتها سفير السعودية في بيروت، وتبين لي من خلال اللقاء اهتمام الوزير خوجة بالفيتوري باعتبارهما يتشاركان في نظم القصائد والاهتمام بالشعر والشعراء.
أتاح لي الاقتراب والسفر مع الفيتوري الاطلاع على جوانب إنسانية مهمة في حياته أهمها تلك المسحة الدينية والتصوفية التي كان يحرص على إخفائها، إلى جانب البساطة التي يتمتع بها الراحل على عكس ما يظهره للعامة أو في اللقاءات التلفزيونية، كما أدركت مدي اهتمامه بالفقراء من خلال حرصه الدائم على العطف على أصحاب الحاجة ومتوسطي الحال من عامة الناس، ليس هذا فقط بل كان يشعر بالسعادة وهو يتوسط لدى بعض الأثرياء للمساهمة في علاج مثقف أو زواج شاعرة وغيرها من الأمور الإنسانية التي كان يحرص على عملها في صمت على طريقة.. (لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه).
تعد مسيرة حياته تعبيراً حياً عن التداخل والتمازج بين العرب والأفارقة حيث ولد في غرب السودان، وتربي في الإسكندرية، وتعلم بالأزهر وحمل الجنسية الليبية، عشق الحياة في بيروت، وارتبط بالعراق ودافع عن عروبة فلسطين، ورحل ودفن بالمغرب.. كل هذا يعكس مدى ما عاشه ذلك الشاعر من معاناة التنقل والترحال منذ طفولته حتى مماته.
بشرته السمراء ولونه الأفريقي شحنا بطاريات إبداعه الفني مبكرًا، فزاول الرسم، والعزف والموسيقى، ونظم قصائد على منوال القصيدة العربية الكلاسيكية، مستعينًا بمكتبة والده التي كانت عامرة بدواوين الشعر العربي النادرة.
تعد أفريقيا فضاءً ومشهدًا رئيسيًا في أشعار ونصوص الفيتوري، كما ظلت محنة الإنسان الأفريقي وصراعه ضد العبودية والاستعمار همه الأول وشغله الشاغل حتى آخر لحظة في حياته، فقد كان باكورة دواوينه وهو لا يزال طالبًا في كلية دار العلوم بالقاهرة«أغاني أفريقيا» 1955، ثم أعقبه بسلسلة دواوين تعكس معاناته ومعاناة القارة السمراء، منها «عاشق من أفريقيا» 1964، و«اذكريني يا أفريقيا» 1965، و«أحزان أفريقيا» 1966، حتى أصبح بحق صوت أفريقيا وشاعرها، المحرض على الحرية والانعتاق بامتياز.
توهجت شعريته خلال حقبة السبعينات من القرن الماضي، حين كتب العديد من القصائد المهمة التي توجته واحدا من أهم شعراء العرب الكبار، عبرانغماسه وسط العواصف العاتية التي عصفت بالمواطن والوطن العربي من المحيط إلى الخليج في تلك الفترة.
ولم تغب عن قصائده الشعرية الدعوة الدائمةللحرية والتحرر، والتحريض المستمر لتحطيم القيود والقضاء على كافة مظاهر الظلم والاستبداد بمختلف أشكاله الاجتماعية والسياسية، فقد اختار أن يكون مبدعا ملتزما بالمعنى الإنساني للكلمة ومناضلا ضد التمييز ومنحازا للإنسان أينما كان، بصرف النظر عن لون بشرته أو جنسه.
لم يكتف الفيتوري في مسيرته بالشعر كسلاح يعبر من خلاله عن أحلام الأفارقة في الحرية والتحرر، بل لجأ إلى المسرح الشعري فكانت مسرحيته العظيمة «أحزان أفريقيا، سولارا» ، فهي تصور الصراع النفسي وتعكس ظلم البيض للإنسان الأسود الذي كان قضية محورية في حياة الراحل الكريم، ففي المشهد حشد من عبيد ينتمون إلى غرب أفريقيا يساقون عبر ثلاثة من تجار الرقيق الأوروبيين.. العبيد مغلولون في المقدمة يبكون وطنهم وكلهم رافض لهذه الهجرة القسرية.. بعضهم انتفض صارخًا ليوقف الاندفاع الجشع لهؤلاء النخاسين، لكن تمردهم عاد عليهم بالخيبة. إن روح «القرصنة والعتو والسادية» التي تميز بها هؤلاء الأوروبيون كانت قادرة على إخماد أي نوع من المعارضة قبل انطلاقها. ونكلوا بمن قام بتحريض الآخرين على التمرد مستغلاً الغليان الذي كان سائدًا فترة الرحيل عن أفريقيا. أحد العبيد ممن كان في مقدمة المتمردين أعدم هو الآخر برصاص أحد القراصنة ليكون عبرة ومثالاً للآخرين.
لقد روى لي الكثير عن نشأته الأولى في مدينة الجنينة الواقعة في غرب السودان بالقرب من حدود تشاد وأفريقيا الوسطى، فعندما كان يبدأ في السرد كنت أسرح في الصور والحكايات التي يرويها وكأني أطالع فصولاً من رواية موسم الهجرة إلى الشمال للمبدع السوداني الطيب صالح.
أترك للنقاد والمتخصصين التطرق إلى الجوانب النقدية والفنية في قصائده وشعره، لكن ربما يفيد أن أستشهد هنا ببعض أبياته في قصيدة «معزوفة درويش متجول» التي يقول فيها:
في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق

اعترف الفيتوري في أكثر من مناسبة بأن الناقد المصري المعروف محمود أمين العالم كان أول من سلط الضوء النقدي عليه عندما كتب مقالة مسهبة عن إحساسه بالدونية وتوقه إلى الحرية في وقت واحد. وكان العالم ناقدًا اشتراكيًا ملتزمًا، أخذ بمعاني التحرر التي كتبها الفيتوري في دواوينه الأفريقية، التي أبهرت الطبقة المصرية المثقفة المهتمة بتحرر أفريقيا في ذلك الوقت.
جذوره ( الزنجية) تركت بصماتها وكانت سبباً في العديد من القصص المؤلمة التي لم يستطع تجاوزها في طفولته ولا حتى في شبابه، فبسهولة يمكن أن يكتشف المقربين منه أن لون بشرته يسبب له عوائق نفسية عديدة، لذلك سوف نجده يكتب عن الحرية والانعتاق ومناهضة القيود والاستبداد والاعتزاز بالوطن منذ بداياته الشعرية.. عندما يقول صادقًا:
قلها لا تجبن.. لا تجبن
قلها في وجه البشرية..
أنا زنجي.. وأبي زنجي الجد وأمي زنجية..
أنا أسود.. أسود لكني حر أمتلك الحرية.. أرضي أفريقية.
ثم يقول في قصيدة أخرى:
فقير أجل .. ودميم دميم‏
بلون الشتاء .. بلون الغيوم‏
يسير فتسخر منه الوجوه‏
وتسخر حتى وجوه الهموم‏
فيحمل أحقاده في جنون‏
ويحضن أحزانه في وجوم‏
ولكنه أبدًا حالم‏
وفي قلبه يقظات النجوم‏
رحم الله صديقي الشاعر العربي الأفريقي الكبير محمد مفتاح الفيتوري.

اشترك
اشتراك

إنضم الى قائمتنا البريدية
لتصلك أخبارك المجلس

كل على تواصل معنا لتصلك اخبار وانشطة
المجلس على بريدك الألكتروني
close-link