ورقة بعنوان الإفريقيون ومساهمتهم في الحضارة العربية الإسلامية

2016-04-19T15:44:28+00:00 April 16th, 2016|وثائق|

بسم الله الرحمن الرحيم
الإفريقيون ومساهمتهم في الحضارة العربية الإسلامية
بروفيسور/السر سيدأحمد العراقي
تقديم:
للقارة الأفريقية عمق كبير لدولة الإسلام، ورافد عظيم لازدهار الحضارة والثقافة العربية الإسلامية، وسيادة الإسلام وحضارته على كل أنحاء العالم.
وكانت الهجرات العربية الإسلامية للقارة الأفريقية قد لعبت دوراً هاماً وفعالاً في تشكيل هذه المنطقة اقتصادياً وسياسياً ودينياً واجتماعياً وغير ذلك من العوامل الأخرى المرتبطة بالعامل التاريخي، ذلك أن الإمارات والدول الإسلامية التي أنشأها العرب والمسلمون، أسهمت اسهاماً إيجابياً في نقل الحضارة والفكر الإسلامي والعربي إلى داخل إفريقيا.
هذا البحث يسلط الضوء على الدور العربي والإسلامي وما لعبه في إفريقيا، بنشر الإسلام منذ ظهوره، ووصول المسلمين إلى مناطق بعيدة لنشر الدعوة الإسلامية واللغة العربية.
إن التشجيع لاختيار مثل هذا الموضوع هو دور الإسلام البارز في تاريخ إفريقيا بوجه عام، ودور الإسلام في دفع عجلة الحضارة الإنسانية بصفة خاصة، ومحاولة إبراز دور الإفريقيين المسلمين في البلدان الإفريقية في نشر الإسلام والثقافة العربية الإسلامية، والمحافظة على عقيدتها وتراثها الإسلامي العظيم.
وفي هذه الصفحات محاولة لإبراز دور الأفريقيين في صنع تاريخهم، وتقديراً للدور الكبير الذي تلعبه شعوب هذه القارة – خاصة الإسلامية منها – في كفاحها، ومقاومة كل ألوان القهر والتفرقة التي يمارسها أعداء الإسلام للإسلام وحضارته وثقافته.
لذلك فإن موضوع هذا البحث هو علاج تاريخي لمناطق إفريقية عديدة وصلها الإسلام في فترات متباينة، وكان مسرحاً لنشاط عربي اسلامي مكثف مع شعوب تلك المناطق، أدت إليه الهجرات العربية الإسلامية المتلاحقة، ثم تبلور هذا النشاط أن اعتنقت معظم شعوب القارة الإسلام بحماس شديد، ولولا ظهور الإستعمار وأعماله الوحشية في كل مكان، ومساندته بكل الوسائل لنشاط البعثات التنصيرية لغطى الإسلام وحضارته كل أجزاء القارة، ولانتشرت اللغة العربية بين شعوب القارة منذ زمن مبكر.
إذن فلا شك أن للإسلام دوراً واضحاً في رقي الحياة في إفريقيا، فلقد استطاعت الدول الإفريقية التي طبقت النظام الإسلامي في إدارة شؤون الحياة، استطاعت أن تخطو بشعوبها خطوات حضارية كبيرة.

دخل الإسلام إفريقيا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، والمعروف أن مملكة مروي قد خضعت لمملكة أكسوم الحبشية، عندما غزاها عيزانا الأول ملك اكسوم الحبشية عام 350م – أي في القرن الرابع الميلادي- وأصبح ملوك اكسوم الحبشية يقيمون في داخل الأراضي السودانية، ومن بين هؤلاء الملوك نجاشي الحبشة أصحمة (أرماح)، الذي بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين الأوائل، فاعتنق أفراد وجماعات من أهل السودان الإسلام على أيدي هؤلاء الصحابة، وعلى رأسهم عثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب (رضي الله عنهما)، اللذين عبروا البحر الأحمر من ميناء الشعيبة.
والمؤكد أن الإسلام دخل إلى أفريقيا بصورة واسعة منذ الفتح العربي لمصر عام 20ه (641م)، في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه) عندما ازداد تدفق الهجرات العربية إلى الداخلالإفريقي عبر البحر الأحمر ومن مصر وشمال إفريقيا إلى بلاد النوبة (السودان الشمالي)، وعبر الصحراء الكبرى إلى بلاد غرب أفريقيا – المعروفة آنذاك ببلاد السودان. ومن الجزيرة العربية دخل الإسلام في ساحل شرق إفريقيا على ساحل المحيط الهندي.
لذلك يرجح المؤرخون بأن تاريخ أفريقيا الإسلامي يبدأ بالعام 20ه (641م)، كما أجمع عدد آخر من المؤرخين بأن الإسلام دخل أفريقيا زمن نجاشي الحبشة أصحمة (أرماح) الذي استقبل المهاجرين بالحفاوة والترحاب، ثم اعتنق الإسلام، وعند وفاته صلَى عليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب.
وعندئذ بدأ انتشار الإسلام في إفريقيا في شمالها وشرقها ووسطها وغربها. وقامت ممالك وسلطنات إفريقية قامت بدور كبير على نشر الإسلام والثقافة الإسلامية وهي :
مشيخات مقديشو وممبسة وبراوة ومالندي وسوفالا، ثم سلطنة الزنج الإسلامية (المعروفة أيضا باسم سلطنة كلوة الإسلامية – نسبة إلى العاصمة كلوة – في تنزانيا حالياً) واستمرت هذه السلطنة في الإزدهار والتوسع في الداخل الإفريقي حتى مجيء البرتغاليين للساحل الشرقي لإفريقيا بقيادة فاسكو داجاما الذي قضى على هذه السلطنة تماماً عام 1515م.
وفي داخل الحبشة المسيحية قامت الممالك الإسلامية السبعة والتي عرفت باسم ممالك الطراز الإسلامية، التي كان من أشهرها أوفات الإسلامية.
وفي شمال إفريقيا قامت دول الأدارسة والأغالبة والمرابطين والموحدين، وهؤلاء وغيرهم ، عبروا الصحراء الكبرى إلى غربي القارة – وهي البلاد التي أطلق عليها المؤرخون والجغرافيون العرب اسم بلاد السودان في العصور الوسطى، وهي الفترة التي شهدت قيام ممالك اسلامية هي على التوالي: غانا ومالي وصنغيوالكانم– برنو، وممالك الهوسا والتكارير، وكان آخرها الدولة الإسلامية التي أسسها المجاهد الكبير الشيخ عثمان بن فودي عام 1804م (في مطلع القرن التاسع عشر)، واستمرت في الإزدهار حتى مطلع القرن العشرين، عندما سقطت تحت يد الغزو الإنجليزي عام 1903م، وهذه الدولة اشتهرت باسم “الخلافة الصكتية”، نسبة إلى عاصمتها صكت أو صكتو.
وفي السودان قامت ممالك اسلامية اسهمت بدور كبير في نشر الحضارة والثقافة العربية الإسلامية مثل مملكة الفونج الإسلامية (910 – 1210ه)(1504– 1821م)، وممالك الفور والمسبعات وتقلي في غربي البلاد، وممالك البجة الإسلامية في الشرق.
ويمكن القول بأن أفريقيا أقبلت على الحضارة الإسلامية بشقيها الأدبي والمادي منذ دخول الإسلام وقيام الممالك الإسلامية فيها، وتطورها بالإسلام. كما كان أثر الثقافة العربية الإسلامية من أقوى العوامل التي أذنت بانتهاء عصور أفريقيا المظلمة، وانبثاق فجر النور والحضارة والمدنية.
ولم يكن هذا الإقبال وليد حكم التماس أو الجوار أو اشتباك المصالح فحسب، كما لم يكن اطلاقاً وليد ضغط القوة سياسياً أو عسكرياً، لأن التبادل الثقافي أو الحضاري لا يخضع بالضرورة للموقف السياسي قوة أو ضعفاً، عداء أم وفاقاً. لكننا نجد أن أهم عوامل هذا الإقبال كانت كامنة في الحضارة الإسلامية نفسها وفي سياسة المسلمين في البلاد التي وطئوها، وكذلك في أحوال البلاد الإفريقية نفسها.

الحضارة الإسلامية:
فالحضارة هي الإنتاج العقلي للإنسان، سواء كان هذا الإنتاج مادياً أو أدبياً، والحضارة أساسها قوة عقلية مفيدة تستغل البيئة الطبيعية في سد المطالب الرئيسية، ثم تتجه بعد ذلك إلى المطالب الثانوية. والحضارة بالنسبة للمسلمين في العصور الوسطى حسب تعبير ابن خلدون: “أحوال زائدة على الضروري من أحوال العمران، زيادة تتفاوت بتفاوت الرفا – بمعنى آخر رفاهية العيش”.
وحضارتنا توصف بأنها حضارة عربية وحضارة اسلامية، وليس المقصود بالحضارة العربية أو الإسلامية أن الذين أسهموا في بنائها هم العنصر العربي أو المسلمون وحدهم، ولكن المقصود بلفظي العربية والإسلامية اصطلاحان يشملان جميع الشعوب والأمم التي اتخذت العربية لغة لها، وعاشت في دار الإسلامفي ظل حكم الإدارة الإسلامية، بصرف النظر عن الجنس واللغة والدين. ومن ثم يشترك فيها مع العرب: الفرس والترك والأفارقة والأسبان وغيرهم. كما يشترك فيها مع المسلمين اليهود والنصارى والصابئة والمجوس.
تفسير ذلك أن أعلام الحضارة الإسلامية، فكروا بالعقلية العربية الإسلامية، وكتبوا بحوثهم باللغة العربية، وهم في إنتاجهم ونشاطهم إنما يعبرون عن حضارة عربية، وهم كذلك يعبرون عن حضارة اسلامية، لانهم نشأوا في ظل الإسلام وعاشوا ونبغوا في رعاية الدولة الإسلامية كذلك.
والحضارة إنما هي تفاعل بين الأشياء والقيم، فقيم كل حضارة تضفي على أشيائها خصائص معينة تميز كل حضارة على الأخرى. والحضارة الإسلامية تميزت بطابع قيمها النابع من ثوابت الإسلام من قرآن كريم وسنة نبوية شريفة وإجماع الأمة، وفهم يجتمع بذاته في زمان بعينه لتلك الثوابت ثم تطبق ذلك الفهم، إما تكريسا وتبريراً لما يسود ذلك المجتمع من نظم سياسية وأوضاع اقتصادية وعادات اجتماعية، وإما تجديداً وتغييراً لكل ما يسود المجتمع من مفاهيم وتصورات وممارسات في السياسة والإقتصاد والتركيب الإجتماعي.

ومن هنا كان دور العلماء دوراً أساسياً في صهر مجتمعهم في بوتقة الحضارة الإسلامية، بنشر الإسلام وشرح ثوابته شرحاً يعالج قضايا اليوم المعاش، ويقود إلى الغد المرتقب، وهذا مما أدى إلى مساهمة العلماء الأفارقة في الحضارة الإسلامية، بما نشروا من اسلام وأذاعوه من ثقافته، ومن ثم بما صبغوا مجتمعاتهم بصبغة قيم ذلك الدين ولغة ثوابته من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
كانت الحضارة الإسلامية في اعتراف الباحثين الغريين أعظم حضارة شهدها العالم أجمع. وقد بنى المسلمون بناءاً شامخا وثروة علمية هائلة باللسان العربي. وبلغت الدول الإسلامية درجة سامية من الرقي الحضاري في الآداب والعلوم والفنون، في الوقت الذي خيم فيه الظلام على أوروبا، وحين أفاقت أوروبا من سباتها العميق أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، وجدت نفسها أم بناء اسلامي شامخ، فهرع طلاب العلم والمعرفة من غرب أوروبا إلى مراكز الثقافة الإسلامية في أسبانيا (الأندلس) وصقلية وبلاد المشرق وبعض البلاد الإفريقية، وهناك أخذوا ينقبون عن الكتب العربية ، ويترجمون ما تقع عليه أيديهم إلى اللغة اللاتينية.
يقول الرحالة مانقو بارك (Mango Park): “لقد عمل الإسلام على تطوير الزنوج، ولا يزال يعمل.” ويقول القمص ستانلي (Dear Stanley) في كتابه عن الكنيسة الشرقية Eastern Church: “لا يمكن أن ننسى أن الإسلام هو الديانة السامية الوحيدة التي أدت إلى تقدم وتطور قارة إفريقيا الواسعة، ومهما كان مستقبل المسيحية في إفريقيا، فليس أدنى شك في أن هذا المستقبل سوف يتأثر بالجانب الحماسي عند الزنوج المسلمين”.
لقد وجدت اللغة العرية والثقافة الإسلامية تربة خصبة في معظم بلاد القارة الإفريقة، بل ظلت كذلك حتى عصر الإستعمار الأوروبي، فعندما وصل الرحالة الإنجليزي فرانسيس مور (Francis Moore) عام 1731م إلى غامبيا البريطانية، وجد معظم أهلها يتكلم اللغة العربية، كما وجد القرآن شريعتهم، ومما أثار دهشته أن وجد أن إلمامهم باللغة العربية يفوق إلمام أهل أوروبا الوسيطة باللغة اللاتينية. وجد كذلك أن الكثير يتكلم اللغة العربية، بالإضافة إلى لغته الأصلية المحلية.
كذلك وجد مانقو بارك أوائل القرن التاسع عشر، عدداً كثيراً من المدارس التي تعلم القرآن واللغة العربية، ففي سيراليون- وهي تسمية برتغالية – وجد الإنجليز جماعات من القبائل الإفريقية تتقن اللغة العربية، وتعنى بإنشاء المدارس الخاصة لتعليم القرآن ولغته.
ورغم الجهود التي بذلها الإستعمار الفرنسي والإنجليزي للقضاء على اللغة العربية والثقافة الإسلامية في تلك الجهات، وتحويل أنظار الإفريقيين عن فاس وتونس والقاهرة ومكة والمدينة ودمشق وبغداد والخرطوم، فإن التبشير والتنصير والإستشراق وغيرها من تيارات فكرية للإستعمار،إلا أن الجميع فشلوا فشلاً ذريعاً، إذ كان المسلمون والمستعربون من الإفريقيين يعمدون إلى إنشاء مدارسهم ومؤسساتهم الثقافية في المناطق الوثنية النائية كما في ساحل العاج ونيجيريا.

من أجل هذا لم يخطئ سير توماس أرنولد حين قال منصفاً: “بلغت اللغة العربية، وهي لغة القرآن، درجة عظيمة من الشيوع والإنتشار، حتى غدت لغة تخاطب بين قبائل نصف القارة السوداء”، ثم يردف بقوله : “وهذا تقدم كبير في الحضارة الإفريقية”.
لذلك يمكن القول أن الأمر الثابت والواضح أن الدعوة الإسلامية في إفريقيا قد ارتبطت باللغة العربية لغة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، منذ دخول الإسلام في هذه القارة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وسار الإسلام واللغة العربية جنباً إلى جنب مع الجهاد في سبيل نشر الدين وتوسيع رقعة البلاد الإسلامية، فضلاً عن تنشيط الحركة التجارية. واحترم المسلم في إفريقيا اللغة العربية احترام يقرب من التقديس، لأنها لغة القرآن الكريم، فبها يؤدي صلاته، وبها يتلو القرآن الكريم، وبواسطتها يلم بعلوم الدين.
إلا أن الحديث عن موضوع الحضارة الإسلامية يأتي فيه التركيز عن الحضارة الإسلامية في إفريقيا جنوبي الصحراء، وعليه يمكن أن تبلور عوامل إقبال إفريقيا جنوبي الصحراء على الحضارة الإسلامية في هذه العوامل الأربعة :
1- قوة الحضارة الإسلامية الذاتية وأصالتها بشقيها الروحي والمادي.
2- التسامح الذي درج عليه المسلمون في فتوحهم وسياستهم.
3- سياسة العرب في الإندماج والمصاهرة.
4- تخلف إفريقيا وحاجتها إلى علوم العرب وفنونهم.
لقد ظفر الإسلام واللغة العربية بنجاح كبير في إفريقيا، وشقت الحضارة الإسلامية طريقها في الأرض الإفريقية، مما يدعو إلى دراسة الدور الكبير الذي قام به الدين الإسلامي واللغة العربية في تقدم تلك البلاد وتطورها، حتى أصبحت هذه البلاد عن طريق الإسلام والعلوم الإسلامية عظيمة الحضارة والتقدم، وسرعان ما شكل الإسلام عادات السكان، ونظم أحوالهم، فصار مستوى التفكير والثقافة يقارن بنظائره أو يفوقه في الدول المعاصرة في أوروبا المسيحية.
ولذلك يمكن القول أن حضارة هذه البلاد أثناء العصور الوسطى – فاقت حضارة معظم بلاد أوروبا المعاصرة- إذ كانت حضارة هذه البلاد على صلة وثيقة بموطن أرقى الحضارات الإنسانية وهي الحضارة الإسلامية. لذلك يعتبر المؤرخون أن العصور الوسطى هي العصور الزاهرة في التاريخ القومي لإفريقيا- شمالاً وشرقاً ووسطاً وغرباً- حيث هاجرت جماعات من العرب والبربر والفرس نجحت في تأسيس دول وحكومات اسلامية، وقامت بنشر الفكر والثقافة والتراث الإسلامي، كما ساهمت هذه الجماعات إسهاماً إيجابياً في نقل الثقافة الإسلامية إلى داخل البلاد الإفريقية. والعرب هم العنصر الفعال في هذه الدول الإسلامية التي قامت في إفريقيا في فترة العصور الوسطى، واستمرت حتى فجر العصور الحديثة.

لقد شق الإسلام طريقه إلى إفريقيا منذ ظهوره في مطلع القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) وليس عن طريق الفتح الحربي والضغط والقهر، ولكن عن طريق التجارة والمعاهدة والكتب والمساجد والمدارس، والرباط والزوايا والخلاوي….. الخ ، لأنه يصعب إخضاع وقيادة القبائل الكبيرة عن طريق الحرب، بدليل أن الإسلام في تلك البلاد ظفر بولاء أقوى القبائل وأشجعها وأكثرها عدداً، وليس بالمستضعفة منها، مثل قبائل السوننك والماندنجو والهوسا والفلاني في غربي إفريقيا، وقبائل البانتو والدناقل والزولو والهوتنتوت والبوشمن والصوماليين في شرقي إفريقيا، والنوبة والبجة والفور في السودان. ثم نمت الحركة الإسلامية، وانتشرت العقيدة الإسلامية والثقافة الإسلامية وترعرعت في المدن الكبيرة التي أقامها المسلمون أو التي استقروا فيها، فنمت وكبرت واشتهرت أمثال :
كومبي صالح وتنبكتو( تنبكت- تمبكتو) ومالي، وجنى وكنو وتكده وونقارة، وصكتو من بعد ذلك في غربي إفريقيا. ودنقلا وسوبا وسواكن وسنار وقري والفاشر، ثم الخرطوم أعظم إنجازات الأتراك في السودان (1821-1824م). وكلوة ومقديشو ولامو وبراوة وممبسة وزنجبار وزيلع وأوفات في بلاد إفريقيا الشرقية.
وأدى كل ذلك إلى قيام الممالك التاريخية الإفريقية الإسلامية الكبرى : غانا ومالي وصنفي والكانم – برنو، ثم دولة الشيخ عثمان بن فودي، أشهر الدول الإسلامية في بلاد إفريقيا الغربية. يضاف إلى تلك الممالك سلطنات الفور والفونج والمسبعات وتقلي في سودان وادي النيل، وممالك الطراز الإسلامي، وسلطنة الزنج الإسلامية في بلاد شرقي إفريقيا.
وظلت مدن إفريقيا التي أمها المسلمون – ولقرون عديدة – مراكز نشاط ثقافي ومدنية، وارتكزت شهرتها على أنها وسيطة بين عواصم العالم الإسلامي الكبرى، وبقية أجزاء إفريقيا المجاورة في نقل الفكر والثقافة الإسلامية. وتطورت هذه المدن الإسلامية بفضل تجمع العلماء والفقهاء الذين وفدوا إليها من مكة المكرمة والمدينة المنورة ودمشق وبغداد والقاهرة، ومن مدن شمال إفريقيا مثل القيروان وفاس، وقامت طرق وقوافل الحجاج بين بلاد غربي إفريقيا وسودان وادي النيل إلى الحجاز بدور كبير في تبادل العلاقات الثقافية والتمازج الحضاري.
وظلت الصبغة العربية هي البارزة والمميزة في إفريقيا خلال فترات التاريخ المختلفة. فأسهم العرب والمسلمون عامة بالأداب والعادات التي اتصفوا بها. وظلت الثقافة العربية تنتشر وتتطور يوما بعد يوم. وتعاون العرب والإفريقيون حتى أمست علوم العرب وتراث المسلمين يشكل معظم مناهج المراكز الإسلامية في إفريقيا.
لقد احترم الدعاة المسلمون العادات والتقاليد ولم يحتقروها، وهذا أحد أسباب نجاحهم، ووضح أثر الإسلام عند مختلف القبائل من ناحية الإصلاح والتهذيب والتقريب بين القبائل المتنافرة. كذلك

كان لعلماء الدين الإسلامي مكانة سامية في نظر شعوب تلك البلاد. ووضع الإسلام الأسس والمبادئ العامة التي تمجد المثل العليا والآداب الرفيعة، ووضع أساس الحرية والإخاء والمساواة والتسامح الديني.
ولعل ما يميز طبيعة انتشار الإسلام وسيادة الحضارة العربية الإسلامية في إفريقيا، ويفسر سرعة قبوله، والتحمس له، أنه جاء إلى إفريقيا السوداء وأهلها سادة في بلادهم، ويتمتعون بكامل حرياتهم وسيادتهم واستقلالهم، ويمارسون حكوماتهم وينظمون شئونهم الخاصة ومجتمعاتهم وفق تقاليدهم. هذا ما حمل أهل البلاد التي استقر فيها العرب والمسلمون عامة على المساهمة في بناء صرح المجتمع الجديد، سواء منهم من اعتنق الإسلام أو احتفظ بدينه.
لقد كان الطابع الأساسي لنشر الدعوة الإسلامية في إفريقيا- منذ الوهلة الأولى- هو السلم والإقناع، مما جعل الإفريقيين يقبلون على اعتناق الإسلام إقبالاً شديداً، فلم يشهر حملة لواء الدعوة الإسلامية السيف إلا في الحالات الدفاعية. ونشط الدعاة المسلمون، كما نشط التجار في نشر الإسلام، والتفوا حول الملوك، وحبَبوا الدين إليهم وشرحوا لهم أحكامه. فمثلاً كان في حاشية عدد من ملوك غانا ومالي عدد كبير من العلماء، كذلك كان الحال في سلطنة الزنج الاسلامية في كلوة، وخاصة في عهدالسلطان أبي المواهب أحد سلاطين كلوة في ساحل شرقي إفريقيا في العصور الوسطى.
وبهذه الطريقة الهادئة دخل الأمراء ورؤساء القبائل في الإسلام وتحمسوا بدورهم لنشر الدعوة له بين الجيران الوثنيين. كذلك يسر انتشار الاسلام أنه دين فطرة، سهل التناول، لا لبس فيه ولا غموض ولاتعقيد، فهو لا يتطلب من الشخص لإعلان إسلامه أكثر من النطق بالشهادتين. ثم إن فكرة التوحيد التي جاء بها والأديان السماوية الأخرى، لم تكن غريبة على الإفريقيين الوثنيين، إذ كانوا في وثنيتهم وإن تعددت آلهتهم يعتقدون في وجود إلاه واحد خالق الكون.
وساعد على قبول الإسلام ذلك الإندماج وتلك المصاهرة التي تمت بين التجار والدعاة المسلمين من العرب والبربر وبين الإفريقيين من جهة أخرى في غربي إفريقيا، وبين العرب والنوبة والبجة وأهل بلاد الجزيرة وكردفان ودارفور في السودان، وبين العرب والفرس من جهة، والإفريقين من البانتو والجالا والصوماليين في إفريقيا الشرقية من جهة أخرى، ساعد هذا الأمر على دخول أمراء العشائر وسلاطين القبائل في الإسلام، والتحمس له. وأدى الزواج -على سبيل المثال-من نساء الفلاني والهوسا والبرنو في غربي إفريقيا، ومن نساء البجة والنوبة والفور إلى ظهور جيل إفريقي جديد حمل لواء الدعوة الإسلامية، ونبغ في الثقافة العربية الإسلامية، مثلما فعل العنصر السواحيلي في إفريقيا الشرقية الذي جاء نتيجة الزواج والمصاهرة بين العرب والفرس من جهة، وسكانها الأفريقيين من بانتو وصوماليين وغيرهم من جهة أخرى.

أما سياسة التسامح الإسلامي التي انتهجها المسلمون في إفريقيا – كما في غيرها- فقد كانت أحد العوامل الهامة والمؤثرة التي دفعت الشعوب الإفريقية على الإقبال على الحضارة الإسلامية، كما أن العرب تركوا الحرية الدينية لرعاياهم، وأبقوا على دور عبادتهم السماوية، وجعلوا لليهود والنصارى أحياء خاصة في المدن الكبرى مثل غانا ومالي وكلوة ومقديشو، كذلك جعلوا لهم قضاتهم الذين يفصلون في خصوماتهم وفق شرائعهم.لذلك اختلط هؤلاء بالمسلمين اختلاطاً كبيراً حتى أهملوا لهجاتهم المحلية، وانصرفوا للغة العربية ومهروا فيها، ونظم الكثير من الإفريقين من هوسا وفلاني وبرنو وبانتو وسواحيلي الشعر بها، كما نظم أهل سودان وادي النيل الشعر منذ زمن دولة الفونج الإسلامية.
لقد ساهم الأفريقيون بصورة واضحة في تطور الحضارة العربية الإسلامية، واتجهت جهودهم أول ما اتجهت إلى تعمير الأراضي وبث الحياة في المدن وتنشيطها وانعاش التجارة والصناعة، حتى غدت المدن الإفريقية أغنى بلاد إفريقيا وأكثرها ازدحاما خاصة كلوة ومقديشو وكنو وغانا ومالي وكومبى صالح. ففيها الترع والقنوات والقناطير والبيمارستانات (المستشفيات) مثل بيمارستان كلوة الشهير الذي بناه السلطان أبوالمواهب.
والواقع أن سلطنة كلوة في شرقي القارة ومملكة مالي في غربيها – في العصور الوسطى – مثلتا العصر الذهبي للسيادة الإسلامية من حيث الترف والرخاء وذلك منتصف القرن السابع والثامن الهجريين (الثالث والراع عشر الميلادي) نتيجة تمتع الدولتين بالذهب والفضة والعاج.
ففي مالي وكلوة عمد الإفريقيون المسلمون إلى الزراعة والصناعة، وأدخلوا أنواعاً جديدة من الزراعة مثل القطن وقصب السكر، واستغلوا مناجم الذهب في سوفالة وموزمبيق وروديسيا ومجاري نهر الزمبيزي في شرقي القارة، وفي مالي وغانا وأحواض نهري النيجر والسنغال في غربيها.
وأقاموا مصانع للورق والحرير وصناعة الجلود المدبوغة وصناعة المنسوجات. كذلك نظموا التجارة، وقد عثر على قوائم تضم المكوس التجارية، وعلاقات هذه البلاد بأوروبا والشرق الأقصى.
ففي مجال العمران فقد أكثر الأفارقة المسلمون من بناء القصور المزينة بالرخام الثمين والفسيفساء، مثل قصور كلوة التي تشبه إلى حد كبير قصور الأمويين في دمشق وقرطبة. وكذلك أكثروا من بناء المساجد في جميع أجزاء شرقي أفريقيا مثل مساجد مقديشو وبراوة وممبسة ومالندي وكلوة وزنجبار. والمسجد الجامع في كلوة تم بناؤه على نسق المسجد الأموي الذي بناه الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك في دمشق.
لقد ساعد الإزدهار والرخاء التجاري الذي سار في أقاليم إفريقيا الإسلامية على قيام نهضة علمية وثقافية شامخة، إذ لا يختلف اثنان على تفوق المسلمين من عرب وغيرهم في شتى فنون المعرفة، وهو الجانب الذي كان أبرز ما خلفوه في معظم بلاد العالم وللحضارة الإنسانية عامة، من آداب وفلسفة وطب

وفلك ورياضيات وكيمياء ومعارف ملاحية، وفي مجال الفنون من عمارة ونحت وزخرفة ظهرت كل هذه الآثار الإسلامية في إفريقيا.
إن نشأة التعليم في إفريقيا وقيام المدارس الإسلامية أتى مع ظهور الإسلام، فقد كثرت حلقات الدرس والخلاوي لتلقي علوم الدين في المراكز التي ازدهرت مثل كومبى صالح وتنبكت وكنو وسنار وسواكن ومقديشو وكلوة…. الخ. وكان يقوم بالتدريس في هذه المراكز علماء نابهون في علوم اللغة العربية والأدب والنحو والصرف والفقه والتفسير، حيث يفد إليهم الطلاب من أنحاء متفرقة. هذا ولم تقتصر العلوم الدينية على الرجال، وإنما امتدت لتشمل النساء أيضاً، فقد نلن حظهن من القرآن الكريم والحديث الشريف والعلوم الدينية واللغة العربية. وكانت حلقات الدراسة تعقد في المساجد وفي بيوت الفقهاء، حيث يأتي الطلاب في حماس شديد.
ومن الكتب التي كانت تدرس في عدد من المراكز الإسلامية في إفريقيا، كتاب (سفينة النجاة)، وكتاب (منجي الطالبين) للنووي، وكتاب (المقدمات الحضرمية في فقه السادات الشافعية) لعبد الله بن عبد الرحمن الحضرمي. وقد كان الكثيرون من أهل سكان إفريقيا الشرقية يعملون بالمذهب الشافعي، وآخرون منهم يعملون بالمذهب الحنفي أيضاً. لذلك كان التعليم الديني في بلاد شرقي إفريقيا يقوم على المذهبين الشافعي في الساحل الشرقي، والحنفي في ممالك الطراز الإسلامي في الحبشة.
وكان السودان في عصر الفونج وبلاد غربي إفريقيا منذ دول غانا وصنغي وكانم والدولة الصكتية التي أسسها الشيخ عثمان بن فودي في نيجيريا تعتمد كلها على المذهب المالكي، كما أن المذهب الشافعي هو السائد في مصر وتشاد حتى اليوم.
وكانت حكومات هذه البلاد ترسل البعوث العلمية إلى الحجاز واليمن والعراق والشام ومصر لتلقي المزيد من العلوم. وكان لكل منطقة من مناطق هذه البلاد الإفريقية رباطهاالخاص بها. وبجانب العلوم الدينية كانت تدرس اللغة العربية وآدابها. وكانوا يعتمدون في تدريس النحو على الأجرومية وألفية ابن مالك وشرح ابن عقيل وقطر الندى لابن هشام. ومن الكتب التي وجدها الباحثون في بعض البلاد الإفريقية نذكر: كتاب (شجرة اليقين) للشيخ أبي الحسن الأشعري، ومقامات الحريري، وتفسير الجلالين، وإحياء علوم الدين للغزالي، الأمر الذي ساعد كثيراً على ازدهار العلوم النقلية والعقلية في إفريقيا.
إن حركة التعليم ونشر الثقافة الإسلامية في إفريقيا، قد تطورت ووصلت منزلة رفيعة منذ فجر العصور الإسلامية، ووصلت أوج عزها وقمتها في القرن التاسع عشر في زمن ممالك الفونج والفور في السودان، وبلاد غربي إفريقيا خلال فترة الخلافة الإسلامية التي أسسها المجاهد الشيخ عثمان بن فوديو في نيجيريا وما حولها.

لذلك أدرك المستعمرون بعد دخولهم إفريقيا – جنوبي الصحراء- أدركوا خطورة اللغة العربية، فحاولوا بكل السبل، وعملوا على إزالتها عن هذه المكانة الرفيعة، فجعل الإنجليز اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية بدلاً عن اللغة العربية في البلاد التي استعمروها، كما فعل الفرنسيون الأمر نفسه في البلاد التي دخلوها خاصة تلك التي تقع في الجزء الغربي من إفريقيا. وقد شجع المستعمر الأوروبي أيضاً الإرساليات والطوائف المسيحية في هذه البلاد، ويسروا لها كل الطرق والوسائل لنشر الدين المسيحي والثقافة الغربية، وذلك بهدف إبعاد الناس عن دينهم وثقافتهم.
حاول البريطانيون تطبيق هذه السياسة في السودان، منذ العام 1899م، وذلك بأن تكون اللغة الإنجليزية هي الرسمية في البلاد، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا. وكان هدفهم محاربة الإسلام، وإبعاد اللغة العربية عن مكانتها، ومنع تسرب المؤثرات العربية الإسلامية نحو جنوب السودان، والبلاد الإفريقية المجاورة له جنوباً وغرباً. ففطن أهل السودان وعلماؤه لهذه السياسة، وشرعوا في محاربتها بشتى السبل، منها أن قاموا بتأسيس معهد أم درمان العلمي، وإنشاء المدارس القرآنية والخلاوي في المدن والقرى، خاصة في بلاد جبال النوبة والنيل الأزرق، كما أشار واعترف بذلك سبنسر ترمنجهام في كتابه (الإسلام في السودان).
وكانت بريطانيا تخشى من انتشار الإسلام في إفريقيا، وازدهار الحضارة العربية الإسلامية فيها، بالإضافة إلى إقامة دولة في السودان، خاصة وأن السودان الشمالي أصبح موحداً من الناحيتين الدينية والثقافية. وقامت ثلاث دول مركزية: الفونج الإسلامية، والعهد التركي، ودولة المهدية، إلا أن السودانيين قاوموا سياسة المستعمرين الإنجليز، وظلت اللغة العربية شامخة بازدهارها القوي والثابت، ولم تتزحزح عن مكانتها وعلو شأنها. (وستظل اللغة العربية كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها).
وبريطانيا وفشل سياستها هذا الفشل الذريع، نجحت في تطبيقها في نيجيريا وبعض البلاد الإفريقية الأخرى التي استعمرتها، وكانت بريطانيا قد احتلت نيجيريا عام 1903م، بعد احتلالها للسودان بضع سنوات، فأصبحت اللغة الرسمية في نيجيريا، وكانت لهجات الفلاني والهوسا تكتب بالحرف العربي، فتحولت لتكتب بالحروف اللاتينية.
لقد ظهرت المسيحية قبل الإسلام بنحو خمسة قرون، ومع ذلك كان الإسلام أسبق إلى الوصول إلى معظم البلاد الإفريقية، حقيقة حال المسلمون في العصور الوسطى دون الإتصال المباشر بين الأوروبيين المسيحيين، وبين تلك البلاد لأسباب دينية وتجارية، إلا أن الإستعمار الأوروبي الحديث، لم يستطع أن يحول قبيلة بأكملها إلى المسيحية بوسائله المختلفة، فمن غامبيا إلى جابون مثلاً، ظل الكثير من الوطنيين على عقائدهم القديمة، ووسائل حياتهم البدائية، رغم اتصالهم بالمسيحية الغربية نحو ثلاثة قرون، بينما على طول الساحل من السنغال إلى لاجوس، لا توجد مدينة هامة إلا وبها مسجد على الأقل، فضلاً

عن عدد كبير من المسلمين، يعيش جنباً إلى جنب مع المسيحيين والمبشرين، ومن العجيب أن نسبة المسيحيين في المنطقة الساحلية لم تزد إلا في عهد الإستعمار، وخلال نشاط البعثات التبشيرية الغربية.
لقد وجد الإسلام تربة خصبة في إفريقيا، خاصة في الحزام الممتد من ساحل السنغال على المحيط الأطلسي غرباً، وحتى البحر الأحمر والمحيط الهندي شرقاً، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً، وحتى هضبة البحيرات جنوباً، ويزداد انتشاره في العصر الحاضر، ولعل من أكبر العوامل زوال الإستعمار، ونشاط الصلات الجديدة التي تقوى يوماً بعد يوم، بين البلاد الإفريقية وبلاد الشرق الأوسط العربي والإسلامي بصفة خاصة والعالم الإسلامي عامة.
ولقد اهتم الإفريقيون بحفظ القرآن الكريم – تلاوةً وتجويداً، فكان القرآن الكريم يرتَل ويفسَر ويدرَس في كل المراكز الإسلامية المنتشرة في القارة منذ زمن بعيد وحتى يومنا هذا.
وقد شهد ابن بطوطة في رحلته لبعض بلاد مالي (القرن الرابع عشر الميلادي) الأطفال المقيدين من أجل حفظ القرآن، حين دخل يوم عيد الفطر على قاضي مالي، فوجد أولاده في القيود، ولما طلب تسريحهم، قال القاضي لا أفعل حتى يحفظوا القرآن.
ومن العوامل التي ساعدت على انتشار اللغة العربية في إفريقيا هجرات القبائل العربية واستقرارها في كثير من البلاد الإفريقية، عبر البحرالأحمر من الجزيرة العربية، وعن طريق النيل من مصر، أو من ميناء سيناء من الجزيرة العربية إلى مصر ثم إلى السودان، أو من مصر إلى شمال إفريقيا، ومنها عبر الصحراء الكبرى إلى بلاد غربي إفريقيا.
وهجرات القبائل العربية إلى الداخل الإفريقي قديمة وسابقة على دخول الإسلام، وازدادت بانتشار الإسلام، فأصبحت معظم البلاد الإفريقية إسلامية خالصة تزدهر وتتطور بالحضارة العربية الإسلامية، التي ساهم في بنائها وتطورها عرب وغير عرب، دخلوا البلاد ونشروا الإسلام وأقاموا الدول والحضارات الإنسانية السامقة.

الإفريقيون في الفكر والسياسة:
كان معظم القادة الأفارقة المسلمين من طبقة العلماء، وقد اهتم الباحثون كثيراً بدراسة كتابات معظم هؤلاء الساسة والمفكرين الذين شهد عليهم وأشار إلى دقتهم في تطبيق الشريعة والأحكام مثل ابن بطوطة في كتابه (تحفة النظار في عجائب الأمصار وغرائب الأسفار)، والإدريسي في كتابه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق)، والمسعودي في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، وكتابه الثاني (التنبيه والإشراف)، والقلقشندي في (صبح الأعشى في صناعة الإنشاء)، والمقريزي في كتابه (الخطط والسلوك)، وكتابه الثاني (الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام)، وغيرهم كثير…. .

فاهتم الباحثون بدراسة اهتمام الإفريقيين في شتى ضروب العلم والمعرفة، خاصة العلوم الإسلامية منها، حتى أن شهرتهم العلمية، أصبحت موازية لشهرتهم السياسية من أمثال السلطان موسى (سلطان مالي)، والحاج اسكيا محمد (سلطان صنغى في غربي إفريقيا)، والسلطان أبو المواهب في شرقي إفريقيا، يضاف إليهم المجاهد الكبير الشيخ عثمان بن فودي وابنه أمير المؤمنين محمد بلو، وعبد الله بن فودي، والشيخ محمد الأمين الكانمي في كانم – برنو في تشاد.
ونجد أن الملوك أنفسهم أحاطوا أنفسهم بالعلماء والفقهاء الذين حببوا الدين والعلم إليهم، من أمثال محمد عبد الكريم المفيلي مع الحاج اسكيا محمد سلطان صنغي، وذلك في التحفة الرائعة الشهيرة التي اشتهرت باسم (أسئلة الأسكيا وأجوبة المغيلي). ومن هؤلاء العلماء أذكر أحمد بابا التبكي.
ولقد شهد أيضا معظم كتاب الغرب على الدور الكبير الذي قام به الأفارقة في بناء الحضارة العربية الإسلامية وتطويرها، كما ذكر فريق آخر من الكتاب بأن الإفريقيين حققوا أعظم المآثر، فكتبوا أعظم المؤلفات القيمة وأكثرها أصالة، وأغزرها مادة في الشريعة ونظم الحكم والعلوم العربية والإسلامية، وأصبحت اللغة العربية منذ القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) وحتى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، لغة العلم والإرتقاء للجنس البشري، ووسيلة بينة للتعبير لدى معظم شعوب القارة، حتى كان ينبغي لأي كائن، إذا أراد أن ينهل من ثقافة عصره في أحدث صورها أن يتعلم العربية، وقد فعل كثير من الأوربيين.
وفي الختام لا بد أن أذكر خلاصة لعدد من الإفريقيين الذين كتبوا في أحكام الدين و السياسة والجهاد، وفي العلوم المختلفة، نقلية كانت أم عقلية :
أولاً: بلاد غرب افريقيا :
1/ محمد بن عبد الكريم المغيلي :
ولد بمدينة توات وانتقل إلى فاس ثم إلى تونس، ومنها إلى بلاد السودان، وأصبح من أكبر العلماء في مدن غاو Goa وكنو، وهناك اتصل به الأسكيا الحاج محمد وقربه إليه، وألف عشرات الكتب والشروح، وذكر أحمد بابا التمبكتي في كتابه (الديباج) واحداً وعشرين منها، ومن أهم مؤلفاته: (مغنى اللبيب في شرح مختصر خليل) ، ( أجوبة المقيلي على أسئلة الأسكيا الحاج محمد )، وهذا مخطوط بالمكتبة الوطنية بالجزائر، حصل عبد القادر زبايديه (جزائري الأصل) على درجة الدكتوراة في هذا الموضوع. وقد اطلعت على هذه الرسالة فيG.R.U في جامعة بايروبكنو.
وكان المغيلي قد اعتبر إماماً على الدراسة المنهجية، كما أخضع المعارف الإسلامية في بلاد السودان، للنقاش والحوار، واهتم بدفع طلابه وزملائه من العلماء إلى الإحتكام إلى القرآن والسنة. وكان متعصباً لمذهب الإمام مالك، ومعادياً لغير المسلمين واليهود خاصة.

2/ محمود كعت النبكتي (ت 1593م):
عاصر السلطان أسكيا محمد، كتب كتابه المشهور( تاريخ الفتاش من أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس)، ذكر فيه وقائع التكرور، ويقع المخطوط في 123 صفحة، نشره هوداس مع خريطة باللغة الفرنسية بباريس عام 1964م.
3/ عبد الرحمن السعدي (ت 1655م) :
ولد في تمبكتو عام 1566م من أسرة سودانية، وهو من مواطني تمبكتو(في مالي) – وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عمران السعدي – اهتم بالتاريخ – كتابه الذي اشتهر به (تاريخ السودان) – أشار إلى أحوال بلاد السودان الأوسط والغربي، خاصة مملكة صنغى الإسلامية – وقد اهتم بتسجيل الأحداث التاريخية حسب السنين – كما اهتم بالترجمة للحكام والعلماء والفقهاء، وكذلك وصفه للمدن، والمنطقة التي زارها، وصفاً دقيقاً، والكتاب عبارة عن ثلاثة كتب في مؤلف واحد، وقد سماه المجموع.
4/ أحمد بابا التمبكتي:
أكثر العلماء مساهمة في الحضارة العربية الإسلامية، ومن خلال كتابه (نيل الإبتهاج بتطريز الديباج) نتبين ذلك، وتجمع جميع المصادر أن مدينة تمبكتو منذ أن اختطها أحد المهندسين الأندلسيين منذ سنة 1326م، قد تطور شأنها تدريجيا لتعرف تحولات سياسية أهلتها مع توالي الأحداث والزمن أن تكون عاصمة تجارية وثقافية وعلمية مفتوحة على العالم الخارجي.
نشأ وتربى في عائلة علم ودين، إذ كان جده الحاج أحمد (1456م-1536م)، أعلم أهل عصره ، وهذه البيئة العلمية التي تربى فيها أهلته أن يكون رجل علم وفقيه، وساهمت بشكل جذري في تأصيل مختلف قنوات المعرفة الإسلامية لديه، وكان لبعد مدينة تمبكتو عن دوامة الصراعات الدولية في حوض البحر المتوسط، كان له الأثر المباشر في حركة التواصل العلمي وتحصيله وبثه وإشاعته، وقد برزت موهبة أحمد بابا العلمية في أعظم كتاب له على الإطلاق (نيل الإبتهاج).
الشيخ عثمان بن فودي :
إن أقوى مركز للثقافة العربية الإسلامية في غرب إفريقيا، وبعله في إفريقيا جنوب الصحراء كافة، هو الإقليم الشمالي بجمهورية نيجيريا الإتحادية، وأن عمق الثقافة العربية الإسلامية في هذا الإقليم يجعله جزءاً لا يتجزأ من العالم العربي الإسلامي، وسكانه يشعرون بانتماء وثيق للعالم العربي الإسلامي، ويتبرءون من الحضارة الغربية وثقافتها، بل منهم من يعتقد أن صلته بأخوان العقيدة والثقافة في البلاد العربية أقوى بكثير من صلته بمواطنه في الإقليم الجنوبي للجمهورية. الذين ينظرون للغرب، ويسيرون عل نهج الحضارة الغربية. وهذا الإرتباط الوثيق جعل سكان المنطقة

يتجاوبون مع القضايا الأساسية التي تهم العرب في الماضي والحاضر. لذلك كان أحمدو بلو، عندما كان حاكماً للإقليم الشمالي في الفترة من 1960م إلى 1966م، يقاطع اسرائيل.
يرجع الفضل في انتشار الثقافة العربية الإسلامية في الإقليم الشمالي إلى الشيخ عثمان بن فودي، قائد الثورة الإسلامية التي أقامت حكومة إسلامية على نمط الخلافة الإسلامية في صدر الإسلام، والتي استمرت في حكم المنطقة إلى ان سقطت على يد المستعمر البريطاني في مطلع القرن العشرين، وإن تاريخ الثقافة الإسلامية في الإقليم الشمالي لجمهورية نيجيريا الإتحادية هو في الواقع تاريخ جهاد الشيخ عثمان والخلافة التي أقامها في عام 1804م، وعاشت طيلة القرن التاسع عشر إلى سقوطها تحت الغزو البريطاني عام 1903م.
لقد اهتم الباحثون كثيرا بدراسة كتابات الشيخ عثمان، فأثبتت له القوائم حوالي التسعين مؤلفا في شتى ضروب العلوم الإسلامية، حتى إن شهرته العلمية أصبحت محاذية لشهرته السياسية، وبحيث أنه لم يعد هناك حاجة إلى التدليل عليها. ومؤلفات الشيخ كلها لها قيمتها أذكر منها:
بيان وجوب الهجرة على العباد، ونجم الأخوان وكتاب أسانيد الفقير…. الخ.
وبفضل جهاده والخلافة التي أسسها استقامت أمور الدين، وانتشرت الثقافة العربية الإسلامية في رقعة واسعة من بلاد السودان الأوسط والغربي. وتأثر بجهاده عدد من القادة المعاصرين الذين نجحوا في إقامة دول اسلامية في مالي وغينيا والسنغال من أمثال ساموري توري وأحمد لوبو وأحمدو صمدو والحاج عمر القوتي … الخ.
ومؤلفات الشيخ عثمان وأخيه عبد الله وابنه محمد بلو تفتح مجالاً خصباً لدراسة الأثر الإسلامي وعمق الحضارة العربية الإسلامية في جزء مهم من العالم الإسلامي.
ثانيا: بلاد إفريقيا الشرقية:
لعبت الهجرات العربية الإسلامية إلى شرقي إفريقيا دوراً هاماً في تشكيل تاريخ تلك المنطقة إقتصادياً وسياسياً ودينياً. ومع ظهور الإسلام كدين ودولة تدفقت على سواحل إثيوبيا والصومال مجموعات من دعاة الإسلام لإنشاء مراكز عربية إسلامية ثابتة، ونشر الإسلام بين القائل التي كان من أهمها: الصوماليون والأحباش والدناقل والجالا والبانتو والبجة ومن بينهم الإريتريون وغيرهم. وقد حمل دعاة الإسلام في ساحل شرقي افريقيا وداخله حضارة ذات مظاهر ثلاثة:
1/ طابع الحضارة العربية الإسلامية من حرية العقيدة وحرية الفكر وعدم الجمود.
2/ ثقافة عربية إسلامية جامعة شاملة لمختلف العلوم والفنون.
3/ الدين الإسلامي نفسه الذي يتلائم مع كل زمان ومكان.

وفي الداخل لإثيوبيا امتزج المسلمون بالوطنيين وصاهروهم، فأخذ الإسلام ينتشر تدريجياً، واعتنقه عناصر الساهو والعفر في شرقي الحبشة، كما إنه امتد إلى مناطق السيدامو وشوا الشرقية جنوب الحبشة.
ولعل الفترة البارزة في التوسع الإسلامي في إثيوبيا والصومال، تقع بين القرنين العاشر والثاني عشر الميلاديين، فهذه فترة التوسع المنظم للإسلام دينا ودولة من ناحية نشر العقيدة الإسلامية وتدعيم سلطان الممالك الإسلامية ولو على حساب بعضها البعض.
فأصبحت هذه الرقعة الإسلامية الممتدة في جزء من افريقيا الشرقية تحيط بالحبشة من الناحية الشرقية، وتقابل اليمن في الجزيرة العربية، ومن أجل هذا الوضع الجغرافي نعتها المؤرخون بمنطقة “الطراز الإسلامي” لأنها على جانب البحر كالطراز له. واشتهر في هذا الطراز إمارات سبع أو ممالك سبع وهي: أوفات، دوارو، أرابين، هدية، شرخا، بالي ودارة. وقد اتسم تكوين هذه الممالك بالطابع السلمي التجاري، أو الإقتصادي بصفة عامة، إذ امتلك المسلمون ناصية التجارة الداخلية والخارجية، ولم تكن في نشأتها وتوسعها عسكرية أو سياسية – في أول أمرها على الأقل – .
ثم إن هذه الممالك ارتبطت بالعالم الإسلامي الخارجي وتوطدت صلتها به عن طريق التجارة والحج وانتقال طلاب العلم والدراسة في المدينة المنورة ودمشق والقاهرة. وصار لرواد الثقافة الإسلامية أروقة خاصة بهذه المراكز، فهناك رواق أهل الزيلع بالمسجد الأموي بدمشق، وكذلك أفرد رواق لهؤلاء بالأزهر يعرف برواق الجبرتية.
وتعتبر أوفات أقوى سلطنة إسلامية قامت في إثيوبيا بسبب تحكمها في الطريق التجاري الذي يربط الداخل بميناء زيلع، وقد أسسها قوم من قريش من بني عبد الدار أو من بني هاشم من ولد عقيل بن أبي طالب. وسلطنة أوفات هي التي تزعمت حركة الجهاد ضد الحبشة المسيحية.
أما ساحل الصومال، الممتد على معظم ساحل المحيط الهندي، فقد تكونت فيه عدد من المشيخات الإسلامية منها هجرة سليمان وسعيد في زمن عبد الملك بن مروان، وهجرة الزيدية (الزيود ) في زمن هشام بن عبد الملك، وهجرة الإخوة السبعة في الإحساء وهم شافعية، وآخرها هجرة الشيرازيين الفرس التي وصلت عام 975م في القرن العاشر الميلادي، واستطاعت تكوين أكبر دولة إسلامية في ساحل الزنج، استمرت حتى مجئ البرتغاليين الذين قضوا عليها في مطلع القرن الخامس عشر الميلادي.
ويهمنا في هذا الجانب الذي قام به الإفريقيون في شرقي إفريقيا، وإسهامهم في تطوير الحضارة العربية الإسلامية بعد أن اختلطوا وتصاهروا مع العرب والفرس، وتحمسوا بدورهم لنشر الإسلام وثقافته، كما يجب التركيز على أن تعلم اللغة العربية وانتشار الإسلام قد استمر منذ أن تأسست المدن والمراكز الإسلامية في هذه السواحل وداخلها، ومنذ الوهلة الأولى التي ثبت فيها المسلمون نفوذهم في

هذه البلاد، فقد قامت المدن العربية الإسلامية بجهود مضنية في نشر الإسلام، كجهود مقديشو في نشر الإسلام بين قبائل الجالا الوثنية، ومثل جهود أمراء براوة ومركة ومالندي وممبسة وبيتPate ، وكلوة وزنجبار في نشر الإسلام بين القبائل الوثنية كقبائل شانقا والبانتو والبوشمن والزولو.
ومن المدهش أنه كان من نتائج حملات البرتغالية الوحشية أن ازداد انتشار الإسلام، ذلك أن المسلمين تركوا الساحل أمام تزايد نيران المعتدين، ولجأوا إلى الداخل حيث اختلطوا بالقبائل الداخلية، ونشروا الإسلام بينها، وأصبح أهلها مسلمون.
وكانت القبائل العربية التي هاجرت إلى الصومال وإثيوبيا وتنزانيا وزنجبار، تحمل معها دينها ولغتها، وكانوا يختلطون بالسكان، وينقلون إلى لغات هذه البلاد الكثير من كلماتهم خصوصاً ما كان منها متعلقاً بأمور الدين، وقد ظلت اللغة العربية هي لغة التسجيل والتدوين والمراسلات في العهود والإتفاقيات. والغلة العربية اختلطت بلهجات البانتو عشرات القرون، وتوالدت عنها لغة جديدة هي اللغة السواحيلية، كما أصبح الدين الإسلامي أساس التشريع والقضاء ومصدر القيم الروحية.
وحظيت علوم الدين بنصيب وافر من العناية والخدمة في هذه البلاد، وحملت مساجد هذه البلاد أسماء الخلفاء الراشدين، وانتشر بها شيوخ الصوفية ومنها القادرية والإدريسية والزيلعية والأحمدية.
ونفخ المسلمون في سكان إفريقيا الشرقية حب الأدب وفنون الشعر. وبرز كثير من العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء باللسان العربي، كالفقيه البليغ فخر الدين أبي عثمان بن علي بن محمد البارعي الزيلعي، الذي نشر الفقه في مقديشو، وله كتاب سماه ( شرح كنز الوثائق ).
ومن المؤرخين الصوماليين باللسان العربي شهاب الدين بن أحمد الملقب بعرب فقيه وله كتاب (فتوح الحبشة) أو (تحفة الزمان) الذي شرح فيه حروب الجهاد ضد الحبشة المسيحية التي قادها المجاهد الكبير أحمد بن جرا أو (الجران) ومعناها (الأشول). ومن أشهر العلماء الشيخ أبادير الذي أشارت إليه حوليات مقديشو.
أما أشهر الدعاة الصوماليين وأبرزهم، فهو المجاهد الكبير أحمد بن إبراهيم الجران، أو (أحمد بن جرا) الملقب بالأشول أو الأعسر، الذي ظهر في القرن السادس عشر. ومن العلماء والدعاة الشيخ إبراهيم أبو زرباي، الذي نشر علوم الدين في مدينة هرر، حيث قام بنشر الدعوة، وإنشاء المساجد.
ومن المجاهدين الدعاة محمد بن عبد الله بن حسن (مهدي الصومال)، الذي ظهر خلال القرن التاسع عشر، وحارب المبشرين، ودعا إلى الكفاح المقدس تحت راية الإسلام ووحد كلمة المسلمين في الجهاد.
وبالطبع يضاف إلى هذه الأدوار، دور الطرق الصوفية التي قامت بنشر الدعوة الإسلامية، وتفسير تعاليم الإسلام، بالإضافة إلى نشر عقيدة التوحيد، وتنقية الإسلام من الشوائب، ومحاربة البدع، والعمل على جعل المسلمين أخوة متحابين في الله.

ولابد من الإشارة إلى العالم أحمد بن ماجد صاحب اختراع البوصلة المتطورة أكثر من تلك التي كانت لدى القائد البرتغالي فاسكو دي جاما، بالإضافة إلى الأسطرلاب، وقد أرشد أحمد بن ماجد البرتغاليين في مالندي (الإمارة الإسلامية) للوصول إلى الهند. ولأحمد بن ماجد الكتاب المشهور (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد).
وللجبرتة دور كبير في الحضارة العربية الإسلامية في منطقة القرن الافريقي، وقد سبقت الإشارة إلى عدد من علمائهم وقادتهم من أمثال الإمام أحمد بن جرا والشيخ أبو زرباي، والمجاهد محمد بن عبد اللهبن حسن (مهدي الصومال).
لذلك نستطيع القول أن هذه البلاد تمتعت بحضارة إسلامية راقية ونظام إسلامي للحكم سليم، لأنها كانت قريبة من ينبوع الحضارة والثقافة، وعلى صلة وثيقة بموطن أرقى الحضارات الإنسانية، وهي الحضارة العربية الإسلامية.
سودان وادي النيل:
ساعد التجمع العربي الإسلامي على نهاية مملكة علوة المسيحية، واستهلالا لظهور سلسلة من السلطنات الإسلامية، أولها مملكة العبدلاب التي أنشأها عبد الله جماع، وقد ورثت هذه المملكة العربية الإسلامية مملكتي المقرة وعلوة مهد الحضارة السودانية في التاريخ القديم، وكان هذا الجزء من وادي النيل قد تعرض لقدر كبير من المؤثرات العربية الإسلامية التي غلبت عليه سمات الثقافة العربية، وتدريجياً ازدهرت مملكات الفونج والمسبعات وتقلى والفور.
ساهم عدد من علماء سودان وادي النيل في بث تعاليم الإسلام وتعميق مفاهيمه منهم غلام الدين بن عابد اليمني، الذي قام بدور فعال في نشر العلوم الإسلامية في سلطنة الفونج، ومنهم الشيخ حمد أبو دنانة مؤسس الطريقة الشاذلية، والشيخ البولاد في ديار الشايقية، وكان الشيخ تاج الدين البهاري قد أدخل الطريقة القادرية في السودان.
ومحمود العركي الذي ورد اسمه في كتاب الطبقات لود ضيف الله، وأولاد جابر، والشيخ محمد صغيرون، والشيخ محمد عثمان الختم مؤسس الطريقة الختمية في السنوات الأخيرة لمملكة الفونج الإسلامية، وبعدها دخلت جيوش محمد علي السودان، ومن هؤلاء العلماء أذكر السلاوي المغربي الذي استقر في السودان، وعمل على ازدهار المذهب المالكي في زمن العهد التركي ( 1821م –1885م).
وقد سعى العلماء ودعاة الصوفية في نشر العقيدة الإسلامية وتعميق تعاليمها، وساهم هؤلاء بحمل تعاليمهم إلى جنوب الجزيرة وكردفان ودارفور حتى إريتريا والحبشة. وتمتع العلماء بنفوذ عظيم بين أهل سودان وادي النيل، فأدى استقرار العلماء في الديار السودانية إلى غلبة الثقافة العربية، واقترن ذلك إلى ظهور المؤلفات التي تعكس روح العصر وثقافته، ونجحت الدعوة المهدية التي كانت تسعى

لتحقيق بعث إسلامي ليعيد للدين أبعاده الحقيقية، وكان نجاح الدعوة بمثابة إعلان كبير عن هذا البلد الإفريقي الذي تأصلت فيه الثقافة العربية الإسلامية، وأنجب العلماء الذين سعوا لتمكين الدين، وتعميق ثقافته وحضارته.
الخاتمة والتوصيات:
يمكن القول بأن الإسلام قادر على بناء الحضارة من الناحية العلمية في إفريقيا وفي غيرها، لأنه دين يحض على العلم ويدعو إليه، ويرغب فيه. ويكفي أن أول آية نزلت من القرآن الكريم قوله تعالى (إقرأ).
وخلاصة هذا القول بأن حكام البلاد الإفريقية على مر العصور الإسلامية، من سلاطين وملوك وخلفاء وأمراء، استطاعوا أن يحكموا البلاد حكماً صالحاً، وينشروا الإسلام واللغة العربية، وأداروا دفة البلاد في مقدرة ومهارة، ونشروا العدل، فحافظوا على هيبة الحكم الإسلامي، وكانوا أقرب للشورى في اختيار الحاكم، مما يؤكد أن الحكم في معظم البلاد الإفريقية الإسلامية يسير على الأصل الديني، وهو مبدأ الشورى. وسار النظام المالي وفق النظم الإسلامية المستمدة من تعاليم القرآن مثل الزكاة والجزية وغيرهما، وكان القضاء مستقلاً تمام الإستقلال عن السلطة التنفيذية. وبفضل العلماء والفقهاء استقامت أمور الإسلام. كما ازدهرت الحركة العلمية، وأرسل الحكام الأعداد الكبيرة من العلماء بين القبائل لبث العقيدة الصحيحة. وكما سبق القول فقد كانت اللغة العربية هي لغة الدول الإسلامية في إفريقيا، والمراسلات الدولية والتجارة، هذا بجانب الإهتمام الكبير بالحركة الفكرية والثقافية، مع العناية التامة بالحركة الإقتصادية والإجتماعية. وظهر اهتمامهم الكبير في مجال الطب والزراعة والتجارة والصناعة، وإقامة الطرق وتطويرها، بجانب الإهتمام بتنظيم السوق والبيوع وتشييد المباني، وكان منصب الحسبة، قد ظهر في كثير من جوانب هذه الدولة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومما تقدم، أن هذا يدحض إفتراءات المستعمرين وأعداء الإسلام بأن افريقيا قارة مظلمة ولا تاريخ وحضارة لها.
التوصيات :
1/ فتح مركز لجمع المخطوطات العربية، في بلاد شرقي إفريقيا والسودان وبلاد إفريقيا الغربية.
2/ تكليف علماء مقتدرين متخصصين في اللغة العربية والعلوم الإسلامية لتحقيق ونشر بعض هذه المخطوطات العربية.
3/ نشر بعض المخطوطات العربية المختارة بعد ترجمتها إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.
4/ إعادة كتابة بعض اللغات المحلية بالحروف العربية بدلا من الحروف اللاتينية.

والله ولي التوفيق ،،،،

مصادر ومراجع البحث:
1- السر سيدأحمد العراقي، ملامح تطور الحضارة الإسلامي في السودان الأوسط والغربي.
2- السر سيدأحمد العراقي، انتشار اللغة العربية في بلاد غربي إفريقيا عبر التاريخ.
3- السر سيدأحمد العراقي، مقدمة في تاريخ الحضارة الإسلامية في إفريقيا.
4- السر سيدأحمد العراقي، نظام الحكم في الخلافة الصكتية.
5- السر سيدأحمد العراقي، سلطنة كلوة الإسلامية ) تاريخها وحضارتها 975م – 1515م.
6- السر سيدأحمد العراقي، الصراع بين القوى الإسلامية والمسيحية في إفريقيا الغربية حتى القرن السادس عشر.
7- السر سيدأحمد العراقي، أرض الزنج الإسلامية في العصور الوسطى.
8- السر سيدأحمد العراقي، ملامح الحضارة الإسلامية في ساحل شرق إفريقيا.
9- السر سيدأحمد العراقي، الثقافة الإسلامية – تطورها وازدهارها في إفريقيا الشرقية في العصور الوسطى.
10- السر سيدأحمد العراقي، انتشار الإسلام في سيراليون في العصور الوسطى.
11- السر سيدأحمد العراقي، الإمارات العربية الإسلامية في ساحل شرق إفريقيا في العصور الوسطى.
12- السر سيدأحمد العراقي، طرق القوافل بين شمال وغربر إفريقيا.
13- السر سيدأحمد العراقي، الإسلام ومراكز الثقافة الإسلامية في اثيوبيا والصومال.
14- السر سيدأحمد العراقي، عبدالله بن فودي ومحمد بلو بن الشيخ عثمان بن فودي من علماء غرب إفريقيا في القرن التاسع عشر.
15- السر سيدأحمد العراقي، أرض الزنج في العصور القديمة,
16- يوسف فضل حسن، مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في االسودان الشرقي.
17- يوسف فضل حسن، دخول وانتشار الإسلام في سودان وادي النيل.
18- يوسف فضل حسن، العلاقات بين المغرب والسودان.
19- يوسف فضل حسن، العلماء والمسلمون في سلطنة الفونج بسودان وادي النيل.

20-Yusuf FadlHassan , Arabs and the Sudan.
21-Paul ,History of the beja Tribes of the sudan.
23-ابراهيم علي طرخان، غانا في العصور الوسطى.
24-ابراهيم علي طرخان، امبراطورية البرنو الإسلامية.

25- ابراهيم علي طرخان، الإسلام والممالك الإسلامية في الحبشة في العصور الوسطى.
26- ابراهيم علي طرخان، دولة مالي الإسلامية.
27- الشاطر البوصيلي عبد الجليل. معالم سودان وادي النيل.
28- مكي شبيكة ، مملكة الفونج الإسلامية.
29- محمد صالح محي الدين ، تاريخ العبدلاب.
30- عمر عبدالرازق النقر، دراسة أولية في أسانيد الشيخ عثمان بن فودي.
31-محمد أحمد الحاج ، الشيخ عثمان بن فودي والحضارة العربية الإسلامية في الإقليم الشمالي لجمهورية نيجيريا الإتحادية.
32- عزالدين عمر موسى، انتشار الإسلام في غرب افريقيا حتى القرن السادس عشر.
33-يوسف فضل حسن، العلماء السودانيون في عصر الفونج.
34- يوسف الخليفة أبوبكر، مساهمة أحمد بابا التمبكة في الحضارة الإسلامية من خلال كتاب نيل الإبتهاج وتطريز الديباج.
35- أحمد ابراهيم دياب: علماء بلاد السودان الغربي في لبقرنين 16-17 الميلادي.
36- محمد ابراهيم ابوسليم، أحمد السلاوي عالم مغربي مالكي في السودان.
37- مصطفى محمد سعد، الإسلام والنوبة في العصور الوسطى.

اشترك
اشتراك

إنضم الى قائمتنا البريدية
لتصلك أخبارك المجلس

كل على تواصل معنا لتصلك اخبار وانشطة
المجلس على بريدك الألكتروني
close-link