الشباب و سبل البحث عن مشكلاته

2016-04-27T09:51:24+00:00 April 27th, 2016|قضايا|

يعتبر الشباب ثروة و موردا هاما للأمة فهو عصب حياتها و مصدر أساسي لنهضتها و الدرع الواقي الذي نعتمد عليه في الدفاع عن كيانها و المرآة الصادقة التي تعكس واقعها و تقدمها ،إن طرح مسألة أوضاع الشباب و مشكلاته باتت اليوم مسألة ذات أولوية و قد ازدادت أوضاع الشباب تعقدا من خلال الأوضاع العالمية-الإقليمية و الوطنية المتغيرة سواء في المجال الاقتصادي السياسي الاجتماعي أو الثقافي “.
إن المتتبع للأحداث السياسية المتسارعة هذه الأيام على الساحة العربية ينتبه إلى ظاهرة اجتماعية بدأت في الانتشار و التوسع ، فمعلوم أن الحدث الاجتماعي لا يرقى إلى مستوى الظاهرة الاجتماعية حسب علماء الاجتماع إلا إذا صار حدثا عاديا منتشرا بين الناس لدرجة انه لن يشكل مفاجأة للمتتبعين.فالانتحار مثلا لم يكتسب صفة الظاهرة الاجتماعية إلا بعدما صار يفرض نفسه في المجتمعات الكبرى ، لذلك شكل هذا الحدث ظاهرة بدءا من القرن التاسع عشر موضوعا يستحق الدراسة، و هو ما قام به إميل دوركايم في فرنسا لتتلوه دراسات ومناقشات أخرى، ولكن الانتحار في المجتمعات السكانية الصغرى يعد فيها حدثا و ليس ظاهرة،لأنه حدث مفاجئ و غير عادي .
فإذا أخذنا مثال الهجرة السرية ،بعد أن أصبحت ظاهرة اجتماعية بامتياز كنوع من الحل لدى الشباب العاطل للتخلص من وضع مزري يعيشونه في بلدانهم، فيما نعتبر أخبار قوارب الموت و المهاجرين السريين أو “الحراقة” أخبارا عادية تزين بها نشرات الأخبار قصاصاتها ، لدرجة انه أصبح من غير الطبيعي أن يمر أسبوع أو شهر دون أن نقرا أو نسمع عن أفارقة أو مغاربة أو مكسيكيين…ولعل التسمية الدارجة لهذه الظاهرة أكثر دقة تعبيرا من نظيرتها الفصحى اعتبار على اعتبار أن الشاب المهاجر “الحراق””وأن هذه الظاهرة أضحت نوع من المغامرة التي يحرق فيها الشخص يترك كل أوراقه و أمانيه فيبيع ممتلكاته إن وجدت أو ينقطع عن دراسته أملا في مستقبل أفضل في البلد المهاجر إليه، و لسان حاله يقول : فليحدث ما يحدث ، طبعا هو يعرف أن الغرق في عرض البحر أمر وارد ، و هذا الأمر دليل على أن الشباب أبدعوا “الحرقة “كانتحار موقوف التنفيذ”، أملا في صدفة تنقذ أرواحهم من أنياب القروش ومن لهيب الجحيم (لأن الحرق في جهنم هو جزاء المنتحر ). مشكلة أخرى يتخبط فيها شباب اليوم و هي العبوسة و هذا مرده أن كثيرا من الشباب أصبح لا يفكر بل لا يحلم بالزواج إلا بعد تعديه الثلاثين ليكون على الأقل قد وفر بعض مطالب الآباء وعندما يتباطأ الشباب عن الزواج تكثر الفتيات غير المتزوجات وعندما يحدث ذلك تزداد المشكلة تعقيدا وينتج عن هذان السببان سبب ثالث لوجود العنوسة وإذا ما حدث خلل في مسار الحياة الاجتماعية للإنسان ومن ذلك ظهور وانتشار مشكلة العنوسة والعزوبة بين الشباب ذكورا منهم و إناث ولبست هذه الظاهرة الاجتماعية ثوب الظاهرة المستشرية ثم استمرت هذه الظاهرة آمادا طويلة في المجتمع دون علاج ولا استيعاب لأسبابها وآثارها القريبة والبعيدة ستخلف عواقب وخيمة في الأخلاق والاقتصاد والاجتماع الإنساني علي المدى القريب و البعيد كما لم يشهد العالم منذ خلق تعالى الأرض عزوف الشباب والشابات عزوفاً عن الزواج كما يشهد عالمنا الأيام بهذا الشكل الواسع ، وقد بسط الباحثون وعلماء النفس والاجتماع أسباباً وراء هذا العزوف إلى جانب اهتمام القطاع العام والرسمي والقطاع الخاص أو الأهلي بظاهرة عزوف الشباب عن الزواج سواء من خلال الاستعانة بالباحثين والأكاديميين بإجراء الدراسات أو عقد الندوات والدورات التدريبية لرصد أسباب هذه الظاهرة وإيجاد الحلول لها.
الإشكالية:
ما هي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تفاقم الهجرة الشرعية، حالات الانتحار و الإدمان و العنوسة ؟

الفرضيات :
ـ العوامل الاقتصادية ( بطالة، فقر، تدني مستوى المعيشة ) تدفع الشباب إلى الهجرة السرية و أيضا الإدمان و العنوسة .
ـ هناك علاقة بين المواطنة الإدمان و الانتحار و العنوسة .
إن الأحداث الكبرى التي شاركت فيها الجزائر و التي تمثل هدفها في تعريف و اقتراح لبرامج عمومية و شبه عمومية نموذجية لفائدة الشباب و كذا تدعيم التجارب أخذا في الاعتبار علاقات شمال-جنوب من جهة ومفاهيم الديمقراطية و حقوق الإنسان التي يجب الاهتمام بها حاليا من جهة أخرى.و من هنا يمكن أن نؤكد اليوم أن آثار العولمة سياسيا و اقتصاديا أدت إلى نتائج سلبية أكيدة سيما بالنسبة للتوازنات الكبرى و التماسك الاجتماعي و الاقتصادي في بلدان الجنوب، حيث يكون الشباب أول المتضررين. و رغم تأكيد الجزائر على إرادتها السياسية للتكفل بانشغالات الشباب من خلال تخطيط سياسات للتربية والإدماج و الترفيه و التشغيل إلا أن وضعية الشباب ظلت مقلقة بسبب الأزمة المتعددة الجوانب التي أفرزتها العولمة .
إن مشكلات الشباب في المجتمع ورغم أنها مسألة نسبية و متوارثة ومتجددة فهي بالأساس قضايا تتعلق بالإنسان من حيث هو إنسان كامل الإنسانية، مواطن كامل المواطنة له وطن و مجتمع و أمة و دولة، له كيان رحب ذو أبعاد روحية و مادية،و نفسية انفعالية ،و اجتماعية ثقافية ،و تطلعات اقتصادية و سياسية وتصورات خاصة عن الطبيعة و الحياة و الحب والجمال. يتأثر بكل ما يحيط به محليا و عالميا،خاصة و نحن نعيش عالم الوفرة و الحرمان ، عالم الأحلام و الأمل،و اليأس و القنوط،في ظل عولمة الاتصال و ما ينطوي عليه من مضامين تحمل التطرف و في جميع الميادين .تجعل الفرد ينسحق ألف مرة في اليوم أمام هذا السيل العارم من الرسائل الصوتية و المكتوبة و المصورة و المرئية ،فضلا عما يعيشه يوميا من تناقضات حادة لا تدفعه إلى التمرد فحسب بل تدفعه إلى الجنون و الانتحار و ارتكاب الجريمة. و ما ظاهرة الانتحار التي استفحلت خلال السنوات القليلة الماضية- و لا تزال في تصاعد في صفوف الشباب-إلا أحد جوانب ردود الفعل إزاء تلك الضغوطات التي أخلت بالتوازن القيمي لدى الشباب .فلقد أضحى من المسلم به ،أن رأس المال البشري هو أساس كل تنمية، لذا تشهد مختلف دول العالم تحولا ملحوظا نحو الاهتمام بالتنمية البشرية. وإذا اعتبرنا أن شباب اليوم هم رجال الغد فإن الاهتمام بهذه الشريحة والتكفل بمشكلاتها أصبح مطلبا أساسيا لمشاركة فاعلة لهذه الطاقات المنتجة، لا سيما عندما يكون للشباب وزن في التركيبة السكانية. و غير خاف، أن واقع الشباب العربي اليوم، و الشباب الجزائري على وجه الخصوص حافل بمشكلات كثيرة و متنوعة ناجمة عن الآثار السلبية للإصلاحات الاقتصادية و الاجتماعية التي لم تحسن التكفل بالشباب ومشكلاتهم المتفاقمة .لذا فإن دراسة مشكلات الشباب القائمة و البحث عن العلل و الحلول و أساليب المعالجة تبقى مطلبا قائما و ملحا مهما تكن العوائق و الصعاب.و حتى تعطي الدراسة ثمارها المرجوة، يجب أن تكون من منطلق دوافع الإصلاح الوطني والمنهج العلمي، لا من باب الترف اللفظي و التناول الإيديولوجي. فالأمر في غاية الأهمية، و بجب التنبيه إلى ما يجب التنبيه إليه، فالتغافل أو السكوت عن الشاذ اليوم، قد يصبح في الغد مكسبا و قاعدة.

إن الشباب إحدى مشاكل الساعة البالغة الإلحاح و الأهمية ويبين تحليل بعض المؤشرات الإحصائية النتائج التالية:
-ارتفاع ملحوظ لنسبة البطالة عند الشباب .
-نسبة مرتفعة من المقصيين من المنظومة التربوية و الأمية عند الشباب.
– ارتفاع نسبة الانحراف و رديفه الإدمان على المخدرات .
– انخفاض نسبة التغطية الصحية لدى الشباب و الأطفال .
و تدعم هذه الوضعية إحصاء بعض التصرفات المميزة للشريحة الشبانية المتمثلة في:
. نقص تعبئة الشباب تجاه أنظمة الحكم لقلة إشراكهم.
.عدم اهتمام الشباب بالبرامج الموجهة له لعدم صياغتها في إطار منسجم وشامل .
.دخول الشباب في منظومات اقتصادية غير شرعية نظرا لافتقادهم لحلول مرضية على مستوى المنظومات الشرعية .
.تصرف غير اجتماعي و عنيف كرد فعل على الوضعية الاجتماعية المهمشة و المزرية .
. الرغبة الملحة في الهجرة إلى الخارج كمؤشر واضح لغياب آفاق مستقبلية .
و انطلاقا من هذا التشخيص و اعتبارا للمكانة البارزة و الدور الريادي الذي يجب أن يلعبه الشباب نظرا لأهميته العددية يبدو من المستعجل تفعيل حركية إصلاحية بل تجديدية من حيث وضع سياسة عمومية اتجاه الشباب وإدراجها في الإطار الشامل و المنسجم …وغم ذلك فمشاكل الساعة البالغة الإلحاح بقيت قائمة…و عندما تظهر مبادرات و مواقف أو برامج ظرفية لصالح الشبيبة، فهي تأتي دائما بعد أن يكون قطار”مشاكل الساعة”قد انطلق، بحيث يصبح اللحاق به من الصعوبة بمكان إن لم يكن مستحيلا.و هنا نخلص إلى فكرة أن سياسة التكفل بالشباب لم تكن يوما في غاية الدقة و الوضوح ضمن منظومة عملية متكاملة ،و إن كانت واضحة في بعض جوانبها فسرعان ما يغمرها النسيان و يلفها الغموض مما يجعلها خارج الانشغالات الرئيسية لمن هم في قمة هرم الوزارة.
تشير الدراسات و التحليلات التي تناولت موضوع الشباب في المجتمع الجزائري من خلال العشرية الماضية- على قلتها و تنوع مشاربها الإيديولوجية، الذاتية و الحزبية- أن أصل مشكلات الشباب ترجع إلى الأسباب الآتية:
1-التسرب المدرسي، و فشل النظام التعليمي في التكفل بكل الأطفال في السن الإلزامي للدراسة 6-15سنة.
2-الركود الاقتصادي و قلة فرص العمل و تفشي البطالة .
3-تفاقم أزمة السكن .
4-قلة أو عدم وجود فضاءات للتعبير و الحوار .
5-عدم الإصغاء للشباب و عدم تفهم مشكلاته .
-تدهور مستوى المعيشة و انتشار الفقر .
-فقدان الثقة في النظام السياسي (سلطة و أحزاب) .
-إشكالية التقليد و العصرنة و الطابوهات .
-البحث عن بناء الهوية .
-البحث عن قيم جديدة .
-معايشة الشباب لصدمات نفسية متلاحقة جراء الأزمات التي يتعرض لها المجتمع الجزائري .
-عدم وجود سياسة قارة وواضحة شاملة في مجال الشباب .
-انتشار ظاهرة الآفات الاجتماعية.
-قلة أو انعدام مرافق التسلية و الترفيه.
-الاختفاء التدريجي للقيم الأخلاقية المرتبطة بالوازع الديني في المجتمع .
و نرى أن السبب الرئيسي في ظهور و تفاقم مشكلات الشباب في المجتمع الجزائري يرجع في الأعم الأغلب إلى النظام الاقتصادي القائم غير أنه يمكن القول، أن الشباب الجزائري يعاني من ثلاثة أصناف من المشكلات المتعددة الأبعاد و هي:
الصنف الأول:و يشمل المشكلات التي يعانيها الشباب مباشرة، و منها بصورة خاصة:
-البطالة.
– العزوبية.
– قلة أماكن التسلية و الترفيه.
-الخوف من المستقبل .
الصنف الثاني: و يشمل المشكلات التي يعيها المجتمع أكثر و يلاحظها في سلوك و تصرفات معظم الشباب نذكر منها:
-النزعة نحو السلوك الانحرافي .
-الاستهتار بالقيم الأخلاقية و الوطنية .
-الضياع اللغوي و العقدي.
الصنف الثالث: و يشمل المشكلات التي يدركها الشباب جيدا و يلاحظها في سلوك المجتمع و السلطة معا ، و منها : – والتهميش لفئات الشباب بعدم الاهتمام بها، و الالتفات إلى مشاكلها خاصة على المستوى المحلية والتوزيع الغير عادل للثروات الوطنية .
لقد شكلت ثورة الشباب و الطلاب بفرنسا في شهر ماي 1968 منعرجا تاريخيا و فكريا مهما ،فمنذ ذلك التاريخ أصبح الشباب و رغم المحاولات العديدة للاحتواء الإيديولوجي.
لقد ولى عهد السلبية و إلقاء نعوت على شاكلة”الشباب المائع” و”الجيل المتهور”،فأغلب قادة الرأي في الدول الأوروبية اليوم تنحدر أصولها من حركات الطلاب والشباب التي عايشتها مجتمعات الحداثة في السبعينات من القرن الماضي .
و استنادا إلى ما مر معنا يمكن القول أن أية إستراتيجية يرجى لها أن تسهم في حل مشكلات الشباب و التكفل بهم، يجب ألا تقوم على نظرة أحادية، وإنما تدرج ضمن إطار شامل في علاقته بمختلف مجالات التنمية كالتعليم، التكوين،الشغل ،الصحة،الثقافة ،الإعلام ،المواطنة و غيرها من المتغيرات ذات الدلالة . و نعني بذلك إستراتيجية معقولة و رشيدة تولي عناية أكثر للمسائل المرتبطة بالشباب في إطار سياسة وطنية تهدف إلى تكوين جيل المستقبل و إدماجهم.
و لا شك أن الدولة بمؤسساتها، و الحكومة بأذرعها التنفيذية على رأس المطالبين برصد هذه الظواهر وتطويقها و إعداد الدراسات و الخطط اللازمة لمعالجتها ووضع الميزانيات الكافية لردم الهوة و معالجة المشكلات. كما أن الجامعات و مراكز البحث و الدراسات، و مؤسسات الإعلام، و مراكز استطلاع الرأي التي تلعب دورا هاما للغاية في المشاركة بهذه العملية، وعلى سبيل الاقتراح يمكن أن توجه الجامعات طلاب الدراسات العليا إلى تقديم بحوث الماجستير و أطروحات الدكتوراه في الجانب الميداني للمشاكل الاجتماعية، بدل الاكتفاء بالجانب البحثي الأكاديمي الذي لا ينتج إلا بحوثا تجد لها طريقا إلى رفوف الشباب كما أن للمؤسسة الدينية دورا توعويا لا يغفل ما تحضي به من جماهيرية و قدرة على التواصل مع الناس، حيث يمكن وضع خطط مبرمجة تساعد في الجانب التوعوي و الإرشادي المهم جدا في هذا الجانب.

اشترك
اشتراك

إنضم الى قائمتنا البريدية
لتصلك أخبارك المجلس

كل على تواصل معنا لتصلك اخبار وانشطة
المجلس على بريدك الألكتروني
close-link